السيد محمد الصدر
211
منة المنان في الدفاع عن القرآن
فإن قلت : إنَّ مفعول المصدر يكون مجروراً . قلنا : إنَّ المانع عن الجرّ هنا عدّة أُمورٍ : الأوّل : تنوين إطعام . الثاني : تقدير المفعول الأوّل له يعني : إطعام طعامٍ يتيماً أو مسكيناً . ولعلّ التنوين هنا بدل المحذوف أو للإشارة إليه . الثالث : إنَّ الإطعام بمنزلة الفعل فلا يتناسب مع الجارّ والمجرور ؛ فإنَّ الجرّ عندئذٍ يكون قبيحاً . ومن الواضح أنَّ الآيات الثلاثة جعلت عمداً ذات سياقٍ أو رويٍ واحدٍ ب - ( ذا ) مع مدخولها وذات نسق واحد بالتأنيث مع فتح ما قبله وسكون ما قبله . والكلام في هيئة ( مقربة ) هو الكلام السابق أي : محلّ القرب . ويُراد به إمّا المكان حقيقة أو أُستعمل مجازاً في المصدر . إلّا أنَّ القرب لا يتعيّن في القرب المكاني أو النسبي ، بل هو أعمّ منهما ومن غيرهما . فقد يكون للمكان أو للنسب أو للصداقة أو للتحالف أو للاشتراك بالولاية أو بالإيمان أو بدرجات اليقين ونحو ذلك . والمهمّ أن يكون موصوفاً بالقرب بأحد أنحائه أو أكثر من نحوٍ واحدٍ منه . وفي هذه الصفة تسهيلٌ على المكلّف يمدح بها ، وإلّا فإنَّه ينبغي إطعام القريب والبعيد . ولا شكّ أنَّ مطعم البعيد أكثر مدحاً من مطعم القريب بأيّ معنى فهمناه . والآية مشعرةٌ بذلك ؛ لوضوح هذه الأولويّة ، والتجريد عن الخصوصيّة في الفرد بالقريب أو البعيد ، وإنَّما المهمّ هو اليتيم أو الجائع ، ولا أقلّ من التساوي ما دام محتاجاً .